ابن عطاء الله السكندري
65
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
الحكمة الرابعة عشرة « 1 » : « ما بسقت أغصان ذلّ إلّا على بذر طمع » . شرح الحكمة : بسقت أي : طالت وبسقت النخلة إذا طالت ، قال تعالى : وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ [ ق : 10 ] أي طويلات . والأغصان : معروفة وهي جمع غصن ، وهي ما تشعب عن جذع الشجرة . والبذر : هو الحب الذي يزرع في الأرض . والطمع : هو ميل النفس إلى الشيء وتعلقها به وحرصها عليه . وقالوا في معنى الطمع أيضا : هو تعلق القلب بما في أيدي الخلق وتشوفه إلى غير مولاه سبحانه وتعالى . فيكون معنى الحكمة لا تغرس بذر الطمع في قلبك فتخرج منه شجرة الذل وتتشعب أغصانها . والطمع من أعظم آفات النفس لأنه أصل الذل للخلق وهو ينافي العزة المشار إليها بقوله تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] فهو ينافي حقيقة الإيمان ويقدح في العبودية للّه تعالى ، لأنه يصرف الهمة عن التعلق باللّه والثقة به والاعتماد والتوكل عليه تعالى إلى التذلل إلى الخلق واعتقاد أنهم ينفعونه وأن الخير وأصل إليه منهم وفي ذلك ذله من عدة وجوه ، منها : شكه في قدرة اللّه تعالى المتعلقة في المقدور ، ومنها : تملقه للمطموع فيه ، ومنها : استشعاره الخيبة والمهانة عند الطلب ، ومنها : بذله ماء وجهه عند مواجهة المطلوب منه . وفي ذلك من المذلة ما لا يخفى . قال أحد العلماء باللّه تعالى : « أيها الرجل ما قدر لما ضغيك أن يمضغاه فلا بد أن يمضغاه ، ويحك فكله بعز ولا تأكله بذل » . وقال الشيخ أبو الحسن الوراق رحمه اللّه تعالى : « من أشعر في نفسه محبة شيء من الدنيا فقد قتلها بسيف الطمع ، ومن طمع في شيء ذلّ له ، وبذلّه هلاكه » . وقال الشيخ ابن عطاء اللّه في كتابه التنوير في إسقاط التدبير : « وتفقد وجود الورع من نفسك أكثر مما تتفقد ما سواه ، وتطهر من الطمع في الخلق ، فلو تطهر الطامع فيهم بسبعة أبحر ما طهره إلا اليأس منهم ورفع الهمة عنهم » .
--> ( 1 ) ورقمها ( 60 ) في النص الكامل للحكم .